من يملك صورتنا؟ النساء في مصر بين الاستعمار الثقافي والرقابة الأبوية

710827273_954430404319324_5695779971805773591_n

المرأة المصرية بين عين المستعمر وعين المجتمع

أن تفككي الاستعمار من داخلك كامرأة لا يبدأ من كتاب كبير، ولا من شعار معلّق على الحائط. يبدأ أحيانًا من لحظة صغيرة أمام المرآة أو من سؤال يبدو بسيطًا: من الذي علّمني أن أرى نفسي بهذه الطريقة؟ من الذي قرر أن شعري يحتاج إلى ترويض، وأن بشرتي الأفتح أجمل، وأن جسدي يجب أن ينكمش، وأن صوتي لا يصح أن يعلو، وأن راحتي أنانية، وأن غضبي يجب أن يكون مرتبًا كي يُسمح له بالوجود؟

نحن لا نولد ونحن نكره أجسادنا أو نقارن ملامحنا بصورة واحدة للمرأة.

“الجميلة” أو “المتحضرة”. هذه الصور تُزرع بداخلنا تدريجيًا عبر الإعلانات والمدرسة والعائلة والشارع والسوشيال ميديا، حتى تبدأ النساء في النظر إلى نفسها بعين غريبة تسكنها وتراقبها. 

في مصر، لم يكن جسد المرأة يومًا شأنًا شخصيًا. خلال الاستعمار البريطاني، استخدم اللورد كرومر خطاب “تحرير المرأة المصرية” باعتباره دليلًا على تفوق الغرب وتخلف المجتمع المحلي، رغم أنه نفسه كان معارضًا لمنح النساء حق التصويت في بريطانيا. لم يكن الهدف الحقيقي تحرير النساء، بل استخدام قضاياهن لتبرير السيطرة الاستعمارية.

هكذا يعمل الاستعمار الثقافي.. يسرق طريقة النظر والخطاب، لا الأرض فقط؛ يجعل المرأة المحلية موضوعًا يُشرح من الخارج: المحجبة  دليل على القهر، والسمراء دليل على النقص، والتي لا تتحدث الإنجليزية أقل وعيًا. في المقابل، يمارس المجتمع المحلي رقابته الخاصة: لا تلبسي هكذا، لا تتأخري، لا ترفعي صوتك، لا تعيشي كأن جسدك يخصك. 

نحن لا نواجه سلطة واحدة. نواجه عينين في الوقت نفسه؛ عين استعمارية تريدنا أن نثبت أننا متحضرات بما يكفي، وعين أبوية تريدنا أن نثبت أننا محترمات بما يكفي. وبين العينين، تُستهلك حياة النساء في الدفاع عن النفس.

حتى معايير الجمال ليست بريئة. حين تصبح البشرة الأفتح أكثر نظافة، والشعر الأقرب للنموذج الأوروبي أكثر ترتيبًا، والجسد النحيف أكثر انضباطًا، فنحن لا نتحدث عن ذوق فردي فقط، بل نتحدث عن تاريخ من الطبقية والاستعمار والسوق. لذلك ليس غريبًا أن تصير منتجات تفتيح البشرة صناعة عالمية ضخمة مرتبطة بمعايير لونية عنيفة، وأن تحذر مؤسسات دولية من أخطار بعض هذه المنتجات بسبب مواد سامة مثل الزئبق. وحتى عندما أعلنت شركات عالمية مثل Unilever في 2020 تغيير اسم منتج Fair & Lovely وحذف كلمات مثل fair وwhite وlight

 كان ذلك اعترافًا متأخرًا بأن اللغة التجارية غذّت هذا التصور العنصري.

هذا يظهر بوضوح تاريخ طويل من السيطرة على أجساد النساء. ختان الإناث مثلًا ليس عادة منفصلة عن السياسة، لأنه يقوم على فكرة أن جسد الفتاة يجب أن يُدار ويُضبط.

في 2021 شددت مصر العقوبات على ختان الإناث، ومع ذلك تظل المواجهة أكبر من القانون وحده، لأن الممارسة نفسها تعيش داخل الخوف الاجتماعي، والضغط العائلي، والرغبة في السيطرة على النساء وأجسادهن.

وفي 2014، صدر في مصر قانون يجرّم التحرش الجنسي كتعديل في قانون العقوبات، بعد سنوات طويلة من نضال النساء ضد فكرة أن التحرش نتيجة لطريقة لبس الضحية. هذا مهم، لكنه يذكرنا أيضًا أن وجود القانون لا يعني انتهاء الثقافة التي تبرر العنف. لأن المرأة لا تخاف من الفعل وحده، تخاف من السؤال الذي يأتي بعده: كنتِ لابسة إيه؟ كنتِ ماشية فين؟

ومع السوشيال ميديا، انتقلت الرقابة إلى مساحة جديدة. ففي السنوات الأخيرة، تعرضت مؤثرات وصانعات محتوى في مصر للملاحقة بتهم تتعلق بـ

“خدش الحياء” و”قيم الأسرة”.

كأن الشارع لم يعد المكان الوحيد الذي تُراقَب فيه المرأة، بل أصبحت الشاشة أيضًا امتدادًا لهذه الرقابة.

أجسادنا ساحات للمقاومة أيضًا 

مع ذلك، لا يمكن أن نرى النساء كضحايا فقط. تاريخ النساء في مصر ليس تاريخ قمع وحده، إنه أيضًا 

تاريخ مقاومة مستمرة.

في 1923، ارتبط اسم هدى شعراوي بلحظة رمزية حين خلعت غطاء وجهها في محطة القاهرة بعد عودتها من مؤتمر نسائي، وأسست الاتحاد النسائي المصري. لم تكن القضية مجرد قطعة قماش، بل سؤال أوسع: من يقرر كيف تظهر النساء في المجال العام؟  

استخدمت درية شفيق جسدها كأداة مقاومة في إضراب عن الطعام احتجاجًا على تشكيل لجنة دستورية بلا نساء، ثم حصلت النساء في مصر على حق التصويت والترشح في دستور 1956.

هذه ليست مجرد تفاصيل قديمة فالأحداث تذكرنا أن الحقوق التي تبدو اليوم طبيعية

لم تأت من كرم السلطة، بل جاءت من نساء دفعن من أجسادهن وأعصابهن وعزلتهن ثمنًا كي يفتحن بابًا لمن بعدهن.

وفي السنوات الأخيرة، رأينا شكلًا آخر من المقاومة مع موجة #MeToo المصرية عام 2020، حين استخدمت نادين أشرف ومنصة Assault Police إنستغرام لكسر الصمت حول العنف الجنسي، وكان من أبرز نتائج هذه الموجة الحكم على أحمد بسام زكي في قضايا تحرش واعتداء وابتزاز، وسط تشجيع نساء كثيرات على الكلام بعد سنوات من الخوف والوصم. هنا تحولت السوشيال ميديا من مكان للرقابة إلى أداة لكشف العنف، ومن مساحة يحاكمون فيها النساء إلى مساحة  تفضح فيها النساء المعتدين.

اللغة ليست محايدة

حتى اللغة التي نستخدمها عن أنفسنا ليست محايدة. تعبيرات مثل “الشرق الأوسط” أو “العالم الثالث” تشكلت داخل خيال استعماري يرى العالم من مركز أوربي. وحين نكرر هذه المصطلحات دون تفكير، قد نعيد رسم أنفسنا على خريطة لم نرسمها نحن.

تفكيك الاستعمار من الداخل يعني أن نسأل: كيف نسمّي أنفسنا؟ وكيف نروي قصصنا كنساء؟ وهل تصبح المرأة واعية فقط إذا تحدثت بلغة أكاديمية أو إنجليزية؟ ماذا عن الخبرة التي تعيشها النساء في البيوت والعمل والشارع والهامش؟

كما يجب نقد النسوية الأدائية التي لا ترى إلا النساء اللواتي يشبهنها. فالنسوية ليست مسطرة واحدة أو نموذجًا جاهزًا للتطبيق. ما تحتاجه امرأة ميسورة في القاهرة ليس بالضرورة ما تحتاجه امرأة في قرية أو لاجئة أو عاملة منزل. أي خطاب نسوي لا يضع النساء الأكثر تهميشًا في مركزه يتحول بسهولة إلى صورة أنيقة عن الحرية، لا إلى حرية حقيقية.

من يملك صورتنا؟

ليس الهدف من هذا السؤال الوصول إلى إجابة واحدة، بل استعادة حق قديم: أن ترى النساء أنفسهن دون وسيط. أن يرفضن الجمال حين يتحول إلى تسلسل طبقي وعرقي، ويرفضن الأصالة حين تتحول إلى رقابة، ويرفضن نسويةً تتجاهل قضايا الاستعمار ولا تسمع النساء خارج النخب.

الصورة لنا، حتى وهي غير مكتملة، ومتغيرة، ولا ترضي أحدًا.